الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

58

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بَلاغٌ خبر مبتدأ محذوف تقديره : هذا بلاغ ، على طريقة العنوان والطالع نحو ما يكتب في أعلى الظهير : « ظهير من أمير المؤمنين » ، أو ما يكتب في أعلى الصكوك نحو : « إيداع وصية » ، أو ما يكتب في التآليف نحو ما في « الموطأ » « وقوت الصلاة » . ومنه ما يكتب في أعالي المنشورات القضائية والتجارية كلمة : « إعلان » . وقد يظهر اسم الإشارة كما في قوله تعالى : هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ [ إبراهيم : 52 ] ، وقول سيبويه : « هذا باب علم ما الكلم من العربية » ، وقال تعالى : إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ [ الأنبياء : 106 ] . والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا على طريقة الفذلكة والتحصيل مثل جملة تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [ البقرة : 196 ] ، تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ [ البقرة : 134 ] . فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ . فرع على جملة كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ إلى مِنْ نَهارٍ ، أي فلا يصيب العذاب إلا المشركين أمثالهم . والاستفهام مستعمل في النفي ، ولذلك صحّ الاستثناء منه كقوله تعالى : وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [ البقرة : 130 ] . ومعنى التفريع أنه قد اتضح مما سمعت أنه لا يهلك إلا القوم الفاسقون ، وذلك من قوله : قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف : 9 ] ، وقوله : لتنذر الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ إلى قوله : وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ الأحقاف : 12 ، 13 ] ، وقوله : وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى [ الأحقاف : 27 ] الآية . والإهلاك مستعمل في معنييه الحقيقي والمجازي ، فإن ما حكي فيما مضى بعضه إهلاك حقيقي مثل ما في قصة عاد ، وما في قوله : وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى ، وبعضه مجازي وهو سوء الحال ، أي عذاب الآخرة : وذلك فيما حكي من عذاب الفاسقين . وتعريف الْقَوْمُ تعريف الجنس ، وهو مفيد العموم ، أي كل القوم الفاسقين فيعم مشركي مكة الذين عناهم القرآن فكان لهذا التفريع معنى التذييل . والتعبير بالمضارع في قوله : فَهَلْ يُهْلَكُ على هذا الوجه لتغليب إهلاك المشركين الذي لمّا يقع على إهلاك الأمم الذين قبلهم . ولك أن تجعل التعريف تعريف العهد ، أي القوم المتحدث عنهم في قوله : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ الآية ، فيكون إظهارا في